أبو علي سينا

283

الشفاء ( المنطق )

البرهان لأن ذلك خارج عن جوهر الشيء . ولذلك كان أهل العلوم كلها يضربون سورا بين الأمرين ويميزون مأخذ إعطاء الحدود بابا ، ويقتضبون الحدود اقتضابا ، ويميزون مأخذ البراهين بابا آخر ، ويؤلفون البراهين تأليفا . وإذا أعطوا حد المثلث في الهندسة لم يقدموا على ذكر وجوده شيئا « 1 » بل لم يبينوا أن هذا حد بالحقيقة أو تفهيم للاسم . فلما برهنوا أن المثلث موجود بالشكل الأول من كتابهم في الأسطقسات صار حينئذ ما كان تفهيما للاسم عند ابتداء التعليم حدا بالحقيقة . فما أظهر ما بان أن مأخذ الحد الحقيقي مباين لمأخذ القياس . وكذلك القول المعرف لماهية الاسم الذي ليس بحد « 2 » وهو أظهر . وذلك لأن معناه أن هذا الاسم أعني به كذا وكذا . وهذا لا يمكن أن ينازع فيه أو « 3 » أو يخاصم كما لا ينازع في الاسم . وأما أن هذه الذات حدها كذا وكذا فيمكن أن ينازع فيه ويخاصم . وبين الأمرين فرق . ولو كان كل قول يطابقه اسم مطابقة يكون لها الاسم يدل على تلك الجملة ، والقول يدل على تفصيل ما يدل عليه الاسم حدا « 4 » ، لكان مخاطباتنا وكلامنا حدودا . فما من لفظ مركب بلفظ استفهام « 5 » أو خبر أو دعاء أو تمن أو تعجب أو ترج أو أمر أو نهي أو غير ذلك ، إلا ويمكن أن يوضع اسم مفرد بدله . فيكون جميع ذلك حدودا . بل تكون القصيدة الطويلة مثل شعر أوميروس المسمى بإيلياس « 6 » حدا لأنه يمكن أن تسمى باسم واحد مفرد ، كما سمي البلد والقرية مع كثرة أجزائه باسم واحد « 7 » . ثم يكون حده تفصيل جملته . فبين إذن أن القياس لا يثبت حدا ، والحد لا يكون قياسا ، ولا دلالتهما « 8 » على شيء واحد بعينه . فإنه « 9 » لا قياس على ما يدخل فيما هو .

--> ( 1 ) س لشيء آخر ، ومعنى العبارة لم يذكروا شيئا عن وجوده . ( 2 ) الذي ليس بحد وصف للقول المعرف لا لكلمة اسم . وكان الأفضل أن يقول معنى الاسم بدلا من ماهية الاسم لأن المعنى للاسم والماهية للمسمى . وقوله وكذلك القول المعرف : أي كذلك ظهر الفرق بين الحد الحقيقي والحد اللفظي . ( 3 ) م لو . ( 4 ) حدا خبر كان : أي لو كان كل كلام مؤلف من ألفاظ أو جمل حدا . ( 5 ) س في استفهام . ( 6 ) الإلياذة . ( 7 ) س + كما سمي بلد بالري وبغداد . ( 8 ) س دلالتها . ( 9 ) س وأنه .